التطويبات في قصص وأقوال آباء البراري

اذهب الى الأسفل

التطويبات في قصص وأقوال آباء البراري

مُساهمة من طرف † jos † في الأحد سبتمبر 13, 2009 9:38 am

طوبى للأنقياء القلب لأنهم يُعاينون الله»:
هذه النقاوة إنما هي مثل: المسكنة بالروح، الاستقامة، القصد الكامل، الشفافية، صفاء البصيرة الداخلية التي تُعِدُّ المرء وتُهيِّئه لرؤية أو معاينة الله. وبالرغم من أن نقاوة القلب هي بالذات الهدف النهائي للحياة مع الله، حسبما ذكر كاسيان أن الأب موسى قال ذلك في حديثه الأول حيث اقتبس الآية المذكورة؛ إلاَّ أن آباء البراري كان جُلُّ اهتمامهم هو تنقية نفوسهم لكي تخلص دون أن يهدفوا إلى الرؤى والاستعلانات.

قال الأب أوليمبيوس: ”نزل أحد الكهنة الوثنيين يوماً ما من الإسقيط وجاء إلى قلايتي ونام فيها. ولما تأمل في طريقة حياة الرهبان، قال لي: "حيث إنكم تعيشون هكذا، أَلاَ تتلقون أية رؤى من إلهكم"؟ فقلتُ له: "كلاَّ"! فقال لي الكاهن: "ولكننا عندما نُقدِّم ذبيحة لإلهنا لا يُخفي عنا شيئاً، بل إنه يكشف أسراره، وأنتم الذين تعطون أنفسكم لمصاعب وأسهار وصلوات ونسكيات هذا مقدارها، تقولون إنكم لا ترون شيئاً! حقاً إن ذلك لأن لديكم أفكاراً غير طاهرة في قلوبكم تفصلكم عن إلهكم، ولذلك فإن أسراره لا تُكشَف لكم"! ولما أخبرتُ الشيوخ بكلام هذا الكاهن (الوثني)، امتلأوا بالتعجُّب، وقالوا إن هذا حقٌّ، لأن الأفكار غير الطاهرة تفصل الله عن الإنسان“(1).

من هذا الحدث النابض بالحياة، تبرز بوضوح حقيقة أن آباء البراري ما كانوا ينتظرون رؤى واستعلانات مثل الكاهن الوثني، بل إنهم كانوا يرفضون بكل قلوبهم الأفكار الشريرة التي تفصلهم عن الله. لأن هذا الانفصال كان يُعتبر في نظرهم أسوأ ما يمكن أن يحدث، وذلك كما رأينا في سلوك الأب أغاثون إذ سمح لنفسه أن يُعامَل كفاسق ومتكبِّر ومهذار، ولكن ليس كهرطوقي، لأنه كما قال: ”الهرطقة انفصال عن الله، وأنا لا أريد أن أنفصل عنه“(2). وقال أنبا بيمن: ”إذا سخط عليك إنسان وأراد أن يقتلع عينك اليُمنى أو يقطع يدك اليُمنى، وغضبت عليه، يكون غضبك باطلاً. أما إذا أراد أن يُبعدك عن الله خالقك، فحينئذ اغضب، لأن غضبك حينئذ لا يكون باطلاً“(3).

في الحقيقة إن مثل هذا الأمر لا يكاد أن يكون مُدركاً في البرية التي يعتزل فيها الراهب لكي يبتعد عن الناس والأمور التي قد تجذبه إلى الخطية. فالقديس أنطونيوس يقول: ”الذي يسكن في البرية قد أراح نفسه من ثلاثة حروب: السمع، والوقيعة، والنظر إلى ما يجرح القلب. فلا يوجد معه سوى نوع واحد من الصراع وهو الذي يتم في القلب (أي الأفكار الشريرة)“(4). وذلك كما قال الرب: «من القلب تخرج أفكار شريرة» (مت 15: 19).

وقال شيخ: ”أتوسل إليكم، يا إخوتي، كما أننا نقطع عنا الأعمال الرديئة، فلنقطع أيضاً الرغبات، لأنه ماذا نكون نحن؟ صوتٌ صادرٌ من مجرد تراب الأرض. إن يوسف الرامي لما طلب أن يأخذ جسد يسوع، أنزله من على الصليب ولفَّه في لفائف من كتَّان نقي ووضعه في قبرٍ جديد. إن القلب النقي هو القبر الجديد للإنسان الجديد“(5).

فإن كنا نصف الأفكار التي يُصارع ضدها الراهب ”شرّاً“ أو ”فساداً“ أو ”نجاسة“، فهي قد تكون أفكاراً ضد العفة(6). ولكن ذلك ليس في جميع الأحوال، فإن أقوال الآباء تعتبر أنها كلها أفكار غير صالحة بل هي غريبة، لأنها تأتي من الشيطان لا من الله.

قال أحد القديسين: ”قضيتُ عشرين سنة مصارعاً لكي لا يدخل أي فكر غريب إلى قلبي، وقد رأيت الشيطان ومعه قوس يريد به أن يُصوِّب سهماً إلى قلبي، ولما لم يجد فرصة، امتلأ بالإحباط، وكان كل يوم يمضي بخزي“(7). إنها كلها أفكار إذا وجدت هوى فينا فإننا نتواطأ معها، ويمكنها أن تسوقنا في أية لحظة إلى الخطية!

والنقاوة التي كان يتوق إليها آباء البراري لم تكن ”نقاوة ذهنية“ أو ”تجرُّد فكري“؛ بل نقاوة أخلاقية كاملة بقدر الاستطاعة بمعونة النعمة الإلهية بحسب مجهودات وطاقة كل واحد(Cool. فعندما يقول أحد القديسين إنه صارع على مدى عشرين سنة حتى لا يدخل أي فكر غريب إلى قلبه، فهذا يجعلنا نفهم أن هذا الصراع قد أكسبه درجة عظيمة من نقاوة القلب. كما أن أقوالاً أخرى تكشف عن حساسية ضمير رهيفة تدلُّ على يقظة الراهب وحراسته وسهره على قلبه(9). فقد تأثَّر أحد الفلاسفة من اتضاع وصبر أحد الرهبان، وسأله: ”ماذا تفعلون في البرية أكثر منا“؟ فأجابه الشيخ: ”إننا نترجَّى نعمة الله ونحرس أرواحنا“(10).

وتدلُّ عدة أقوال في الأبوفثجماتا على أن الآباء في صراعهم هذا كانوا يعتمدون بصفة رئيسية على الله للحصول على نقاوة القلب. فقد سأل أحد الإخوة الأب بيمن عن الأفكار النجسة، فقال له: ”عظيمةٌ هي معونة الله التي تحيط بالراهب“(11). كما قال أحد الآباء: ”إذا ثابر الإنسان على الصرامة، يُعطيه الرب مخافة ونقاوة قلب، ويصير مغموراً بسخاء الرب وكرمه“(12).

ويبدو أنه كان كافياً لدى بعض الشيوخ أن ينأى المرء بفكره عن الانشغال بجميع الأمور الشريرة والغريبة عن الحياة الروحية، ويُصحِّح ميوله القلبية حتى يصير القلب نقيّاً، وذلك لأنه إذا دخل المعلِّم إلى بيته تهرب الأمور الغريبة(13). وكما قال الأب يوحنا الذي من القلالي، فإنه يكفي أن يكون المرء راغباً في أن يبرأ مثل مريض بركة بيت حسدا، فهذه الرغبة تجعل الرب يسوع يسمعه ويُخلِّصه ويطرد عنه الأفكار الشريرة(14)، وذلك كما خرج لعازر من القبر بأمر الرب! قال أحد الشيوخ: ”إذا استمعنا ليسوع، فإنه يفكّنا من كل ذلك ويحررنا من العبودية لجميع الأفكار الشريرة“(15). وقال آخر: ”مباركٌ هو الرب الذي أخضع قلبي لنفسه“(16).

وإذا تكلَّم الآباء عن عملية تطهير القلب، فإنهم يقصدون الحالة التي تؤدي إليها هذه العملية والطريقة التي تتحوَّل بها إلى الممارسة العملية. ويوجد سبب بسيط لهذا، فقد قال أحد الآباء: ”في الحقيقة إن ما يحبه الرب هو كل ما يفعله الإنسان في خفية، أليست هذه هي النقاوة“(17)؟ وعندما كانت الأُم سارة تصلِّي طالبةً أن يكون قلبها ”نقياً مع كل أحد“، فإن هذا يعني أن يكون متحرِّراً من أية رغبة في إرضاء الناس(18)، وهو الشرط الذي به نُرضي الله.

صلَّى أحد الشيوخ ”لمدة عشرين سنة لكي ينجح في أن يرى الناس واحداً (أي بدون تفريق بينهم)“(19)، لأن الذي يُفرِّق بين الناس ليس كاملاً(20). كما ينبغي أن يكون المرء ميتاً عن كل إنسان، فالمقصود ليس أن يكون المرء غير مبالٍ، أو سلبياً نحو غيره، بل أن يموت عن كل ما هو بشري، وبالتالي يكون غير قابل بالأساس لرؤية الشر في أي إنسان بحيث يستبقي فقط الأمور الحسنة بينه وبين أخيه(21). وقد قال الأب بيمن: ”إذا بلغ الإنسان إلى ما قاله الرسول: «كل شيء طاهر للطاهرين» (تي 1: 15)، فسيرى أن له نقائص أكثر من أي مخلوق وأنه أقل من الكل“(22). هذه هي النقطة التي بلغت إليها نقاوة قلب قدِّيسي البراري العظماء في هذا العالم، وليس بالرؤى السماوية التي لم يطلبوها ولا اشتهوها، بل برؤية أنهم لا شيء على ضوء ذاك الذي هو ”النقي وحده“، كما قال الأب زينون(23)، لأن قلوبهم كانت فريدة وبسيطة متطلِّعة إلى الله وحده(24).
† jos †
† jos †
مشرف عام
مشرف عام

عدد الرسائل : 301
علم بلدك :
تاريخ التسجيل : 30/12/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى